جربوا.. تغيير الخطاب

بقلم: حسن المستكاوي

جربوا.. تغيير الخطاب..

 نحن الشعب المصرى أصحاب تلك الأرض وملاكها. نحن أيضا أصحاب القرار فيما نمتلكه. نحن مع الوزراء والمسئولين والعاملين والفلاحين والطبقة الوسطى نمثل ونكون الدولة. نحن أيضا نعرف حجم ساعات العمل التى يؤديها الوزراء وكبار المسئولين، وحجم المسئولية التى تقع عليهم. والله العظيم نعلم ونقدر ذلك.. لكن الحكومات السابقة والقادمة تظن أنها وحدها الدولة، وأنها المالكة التى تعطى وتمن علينا، وهى لا تكتفى بهذا الشعور، لكنها تحرص على تذكيرنا بمناسبة وبدون مناسبة أنها قامت ببناء كوبرى يصل سمالوط بمنفلوط، وأنها وفرت لنا الكهرباء والماء، والزيت والسكر والشاى والصابون واللحم الإثيوبى.. ومنحتنا الحرية والخبز. وزادت وأكرمتنا نحن الشعب بأنها علمتنا مجانا وتعالجنا مجانا، وقامت بتوفير 60 مليون بطاقة تموين، وقامت ببناء طريق، وسكة حديد بلا حريق. وأنشأت 18 مدينة جديدة يسكن نصفها الأشباح.. ترى هل يقف أى مسئول فى أى دولة فى العالم على كوكب الأرض ويعلن على شعبه المكافح الطيب القابل الغلبان: قمنا ببناء ألف مدرسة وثلاثة آلاف مصنع وزرعنا لكم القمح والبنجر والبطاطس وقمنا ببناء الكبارى والطرق والمستشفيات.. ومنحناكم جوا مشمسا وماء وكهرباء

و«مشمشا»؟!

هل يقف مسئول فى إنجلترا أو فى مملكة سوازيلاند يذكر شعبه أنه فعل معجزة ووفر له الماء والشمس والهواء؟!

هناك خلل فى العلاقة بين الحكومات المصرية وشعبها منذ أكثر من نصف قرن.. وأول الخلل وأهمه هذا الظن بأن الحكومة تعطى وتمنح وتهب الشعب الهواء والشمس والماء.. وأنه لولا حكمتها وتصرفها لما بقى هذا الشعب على قيد الحياة.. لماذا هذا الظن أو حسن ظن الحكومات بنفسها ولماذا سوء ظنها بالشعب الطفل المدلل الذى لا يستطيع أن يفعل شيئا من دونها؟!

هناك خلل فعلا.. فما تنفقه الحكومة على الطرق والكبارى والسكة الحديد، والمصانع والتعليم والصحة والسكر والزيت والشاى والصابون تحصل عليه من الناس. الشعب يدفع ويمول، ويجب أن يدفع ويمول. الشعب يجب يساهم وينتج لأنها أرضه وبلده وماضيه وحاضره ومستقبله. ومن حق الحكومات أن تتباهى بالإنجازات، لكن المهم أن تكون إنجازات. لكن أحيانا أو كثيرا تتباهى الحكومات بأنها قامت بالواجب. وهو أمر يساوى أن يتباهى المدرس فى الفصل المدرسى بأنه حضر إلى المدرسة وأعطى الدرس.. أو أن التلميذ أدى الواجب، وأن اللاعب تدرب ولعب وأن العامل توجه إلى المصنع.. الحكومات فى مصر تتباهى بالبديهيات. وكنت أفهم أن تتباهى حكومة ماليزيا وكوريا الجنوبية واليابان والصين وجنوب إفريقيا والبرازيل التى قفزت بشعوبها من خطوط الفقر إلى نعمة الثراء والانتعاش.. ورفعت مستوى المعيشة. فالبرازيل على سبيل المثال سوف تشترى سندات من البنك الدولى بقيمة 10 مليارات دولار، وهى أول دولة من دول العالم الثالث تقرض المجتمع الدولى.. فماذا يفعل رئيس الحكومة البرازيلية وماذا يقول وهو يتحدث إلى شعبه؟!

الحكومات المصرية المتعاقبة تباهت، مثلا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة ببناء الساحل الشمالى. وهذا صحيح. لكنه بناء مهدر وناقص، ومكلف، وجاء بلا تخطيط وبلارؤية مستقبلية، فأنفق المصريون، يعنى مصر، مليارات من أجل شهرين فى العام. وكذلك الحال بالنسبة للمدن الجديدة. فبناء تلك المدن ليس بدعة ولا إبداعا ولا عملا مذهلا. وإنما هو ضرورة منطقية يفرضها التوسع وزيادة عدد السكان. وقد قامت الدولة ببناء المدن ولم تمدها بالخدمات لسنوات. ولم تربط سكانها بأعمالهم. فمن يعمل فى 6 أكتوبر يسكن فى مصر الجديدة. ومن يعمل فى حلوان يسكن فى شبرا. ومن يعمل فى القاهرة الجديدة يسكن فى المهندسين. وهكذا تجدون مصر تعيش يومها ذهابا وعودة فى الاتجاهين. ترى فيها الذاهبون بعدد العائدين. وتسأل نفسك: إلى أين يذهب ومن أين يعود كل هؤلاء؟!

بناء المدن الجديدة افتقد التخطيط والتصور والرؤية المستقبلية. ومستقبل الدول يقاس بعشرات السنين. فالقاهرة الجديدة يحيط بها الطريق الدائرى. وهو طريق مهم وكان ضروريا. لكن لماذا لم تترك مساحات فى الصحراء المحيطة بالقاهرة الكبرى لبناء وتوسعة الطريق الدائرى الذى أصبح مختنقا الآن؟!

الخطاب الإعلامى الحكومى يجب أن يتغير. لا أحد يمن على الناس بحقها. ولا أحد يمن على الناس بالبديهيات. ولا أحد يمن على الناس بالحرية وبالديمقراطية. ولا أحد يمن على الناس بطريق وكوبرى ومدرسة ومستشفى ومصنع وماء وشمس وهواء. ولعلى لا أكون مبالغا أن فكرة العطاء الحكومى ربت الشعب المصرى على انتظار هذا العطاء. ربته على انتظار هبة الحكم والحاكم. فتحول كثير من هذا الشعب إلى تنابلة السلطان. تحول كثير منه إلى فكرة أن مصر مضيفة، وهو ضيف وليس مالكا أو شريكا.. وأصبح الانتماء للبلد استعراضا يطلق فى المناسبات.. وأصبحت الوطنية هى تشجيع المنتخب أو كلاما مملا بلا عمل أو ترديد أغنية «ماشربتش من نيلها». مع أن الوطنية هى العمل، والبناء والإنتاج والإبداع، والأخلاق، والضمير، والالتزام، والمشاركة والحوار وحب الخير وحب الغير وحب البلد..

الخطاب الحكومى يجب أن يتغير، وجربوا أن تغيروه، وجربوا أن تعرفوا رد فعل الناس إزاء هذا التغيير. جربوا أن تعاملوا الناس كشركاء.. وليس كغرماء؟!

http://shorouknews.com/Columns/Column.aspx?id=153872

Leave a comment

Filed under خليك ايجابي

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s